النووي
17
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ : الْأَوَّلُ : فِي سَبَبِ الْكَفَّارَةِ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ حَنِثَ ، وَفِي سَبَبِ وُجُوبِهَا وَجْهَانِ : الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ جَمِيعًا وَالثَّانِي أَنَّهُ الْيَمِينُ فَقَطْ ، وَلَكِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ . فَصْلُ يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّكْفِيرَ عَنِ الْحِنْثِ ، لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحِنْثِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ . وَقَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ بِمَعْصِيَةٍ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَزْنِي فَهَلْ يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ قَبْلَهُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ نَعَمْ . وَلَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِذَا حَنِثْتُ ، عُتِقَ الْعَبْدُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَنِثَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَلَفْتُ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ التَّعْلِيقَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحِنْثِ فَقَطْ ، وَلَوْ قَالَ : إِذَا حَنِثْتُ فِي يَمِينِي غَدًا ، فَهُوَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي ، فَإِنْ حَنِثَ غَدًا ، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ ، لِأَنَّ الْمُعَلِّقَ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ ، وَلَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَنِثْتُ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَنِثَ ، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ ، وَلَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَلِفْتُ وَحَنِثْتُ ، فَبَانَ حَالِفًا قَالَ الْبَغَوِيُّ : يَنْبَغِي أَلَّا يُجْزِئَهُ ، لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي الْيَمِينِ ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الشَّكُّ فِي الْحِنْثِ ، وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ جَائِزٌ ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَالَ : هُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ ، فَبَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ .